السيد محمد باقر الصدر

139

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

الثانية : هب أنّا تصوّرنا العليّة ، فكيف يتاح لنا أن نعتقد بها بوصفها علاقة موضوعيّة قائمة بين الحادثتين ، دون أن يكون لدينا أيّ سند على ذلك من خبرتنا الحسيّة التي تكشف عن تتابع الحادثتين ولا تكشف عن علاقة الضرورة بينهما ؟ وقد تخلّص ( هيوم ) من المشكلة الأولى باكتشاف المصدر الذي يموّننا بفكرة العليّة وتصوّرها في انطباع من انطباعات الأفكار بدلًا عن انطباعات الإحساس ، كما شرحنا سابقاً . واعترف ( هيوم ) بالمشكلة الثانية ، وعلى أساسها قرّر بأنّ علاقة العليّة ذاتيّة لا موضوعيّة ، أي أنّها تقوم بين الفكرتين في ذهننا ولا مبرّر لافتراض قيامها بين الحادثتين في الخارج . ونحن إذا افترضنا الأخذ بطريقة ( هيوم ) في التخلّص من المشكلة الأولى ، فسوف نحصل على اعتراف ( هيوم ) بأنّ بإمكاننا أن نتصوّر العليّة وأن نتساءل - على أقلّ تقدير - : هل لهذه العليّة واقع موضوعي أو لا ؟ صحيح أنّا لم نحصل على انطباع حسّي لصفة العليّة في العالم الخارجي ، وإنّما حصلنا في رأي هيوم على صفة العليّة عن طريق انطباع من انطباعات الأفكار ، ولكنّ هذا لا يمنعنا - بعد أن حصلنا على فكرة العليّة - أن نضيفها إلى العالم الخارجي متسائلين عمّا إذا كان لفكرة العليّة هذه واقع موضوعي في العالم الخارجي . ولنفترض مع ( هيوم ) أنّ التفكير العقلي المحض لا يمكنه أن يجيب على هذا السؤال بالإيجاب ، ولكنّه في نفس الوقت لا يمكن أن يبرهن على النفي ، وهذا يعني : أنّ القضيّة التي نتساءل عنها : « هل لفكرة العليّة بين الحرارة والتمدّد واقع موضوعي ؟ » قضيّة مشكوكة - أي محتملة - لأنّ العقل لا يمكن أن يستدلّ